أسعد السحمراني

156

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

إن القصد إلى فعل الخير لأنه خير هو السبيل إلى التأليف بين الجماعة بحيث تتعاضد كحالة الجسد الواحد ، كل عضو يقوم بدوره الملائم ليس لذاته بل سهرا على سلامة الكل الذي هو البدن . ولهذا يقال في باب ضرورة التعاون والائتلاف التي تفرضها الطبيعة البشرية نفسها : « إن الحاجة صادقة ، والضرورة داعية إلى حال تجمع وتؤلّف بين أشتات الأشخاص ليصير بالاتفاق والائتلاف كالشخص الواحد الذي تجتمع أعضاؤه كلها على الفعل الواحد النافع له » « 1 » . تتوصل المجتمعات إلى هذا النوع من الروابط والأواصر المتينة عندما تتنزّه النفوس عن الصغائر والتعلّق بالمادة ، وترقى إلى طلب قيم الخير التي تنشر السعادة بصفتها الإنسانية في عموم المجتمع . وهذا الأمر يكون عند وجود أشخاص عقلاء يتميّزون بالثبات على مواقفهم ، وسعيهم بقصد الخير والفضيلة مهما تنوعت الحالات ، والذين يهوون الخير لأنه خير سواء كان يعود عليهم بالنفع أم على غيرهم فسيّان عندهم ، لأن الهدف هو حصول الخير لأنه خير يرضون عنه ، ونبذ الشرّ لأنه شرّ يرفضونه . فالرجل العاقل يمارس « أبدا نمطا واحدا ويلزم مذهبا واحدا في إرادة الخير ، ويفعل جميع ما يفعله من أجل ذاته ، ويرى خيره عند غيره كما يراه عند نفسه » « 2 » . إن هذه السمة الإنسانية الراقية من الثبات على المنهج ، والعمل للخير لذاته بنيّة خالصة مشبعة بحب الفضيلة ، مسألة تدلّل على خلقية لا يدانيها وصف ، وفي ذلك يمكن أن تنقذ المجتمعات مما تتخبط فيه . ولعل الدعاة والقادة ، ومن يصنّفون أنفسهم في موقع القدوة أحوج الناس للتعرف إلى هذا التفكير السليم في تحديد أصول فعل الخير ، وفي ضرورة أن يجسد الإنسان في سيرته ما يقوله من نظريات أو يدعو له ليشجع غيره على سلوك هذا الطريق .

--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 137 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 150 .